خليل الصفدي
279
أعيان العصر وأعوان النصر
قلت : ليس لهذه القوافي خامس - فيما أظن - ، وقد تلطّف في القافية الثالثة ، حتى تركّبت معه من كلمتين وامتزجت ، وقيب لغة في قاب ، وفي هذه الأبيات معنى من المعاني الأدبية ، وهو مما يمتحن به الأدباء في قول امرئ القيس : وما ذرفت عيناك . . . البيت ؛ لأن الأصمعي قال فيه : ما هو باد لكل أحد ، وهو أن عينيها سهمان ضربت بهما في قلبه المقتّل ، الذي هو أعشار ؛ أي مكسّر ، من قولك : برمة أعشار إذا كانت كذلك . وأما ابن كيسان ، فقال : ما هو أدق من هذا المعنى ، فقال : ضربت بسهميك اللذين هما من سهام الميسر ؛ لتملكي أعشار القلب ، وهي جميع ما يخص الميسر من القداح ، فالمعلى له سبعة أسهم ، والرقيب له ثلاثة أسهم ، فيستغرق السهمان جميع الأعشار ، وهذا وإن كان دقيقا وفيه غوص ، ففيه تعسّف وتأويل فيه بعد ، وأما هذا الذي نظمه شيخ الإسلام - رحمه اللّه تعالى - ، فهو صريح في هذا المعنى . وكنت قد طلبت منه ما أستعين به على ترجمته ، لما وضعتها في تاريخي الكبير الوافي بالوفيات : ( السريع ) مولاي يا قاضي القضاة الّذي * أبوابه من دهرنا حرز أفدّتني ترجمة لم تزل * بحسن أقمار الدّجى تهزو لبست منها حلّة وشيها * أعوزه من نظمك الطّرز فكتب الجواب - رحمه اللّه تعالى - : ( السريع ) للّه مولى فضله باهر * من كلّ علم عنده كنز يا واحد الدّهر ومن قد علا * منه على هام العلا الغرز تسألني النّظم ومن لي به * وعندي التّقصير والعجز قبل الداعي طرسا قد سما نورا ونقسا ، جمع أفانين العلوم في شبه الوشي المرقوم ، ما بين خط إذا رمقته العيون ، قالت : هذا خط ابن مقلة ، ونظم لا يطيق حبيب أن ينكر فضله ، ونثر يرى عبد الرحيم عليه طوله صدر وعمن توقل ذروة البلاغة وسنامها ، وامتطى غاربها ، وملك زمامها ، وكمّلها من كل علم بأكمل نصيب ، ضاربا فيه بالسهم المصيب ، مشمرا فيه عن ساق الجد والاجتهاد ، متوقّدا ذكاء مع ارتياض وارتياد ، إلى من هو عن ذلك كله بمعزل ، ومن قعد به قصوره إلى حضيض منزل ، يطلب منه شيئا مما نظم ، ولعمري لقد استسمن ذا ورم ، ومن أين لي النظم والرسائل ، إلا بنغبه من المسائل ، على تبلّد خاطر ، وكلال قريحه ، وتقسم فكر بين أمور سقيمة ، وصحيحة فأنى ، لمثلي شعر ولا شعور ، أو يكون له منظوم ومنثور ، غير أني مضت لي أوقات استخفني فيها ، إما محبة التشبه بأهل